أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

72

العقد الفريد

بناب من الإبل ، فقطعتم الرحم ، وانتهكتم الحرمة ، وإنا كرهنا العجلة عليكم دون الإعذار إليكم ، ونحن نعرض عليكم خلالا أربعا ، لكم فيها مخرج ، ولنا مقنع . فقال مرة : وما هي ؟ قال : تحيي لنا كليبا ، أو تدفع الينا جساسا قاتله فنقتله به ، أو همّاما فإنه كفء له ، أو تمكننا من نفسك ، فإن فيك وفاء من دمه ! فقال : أما إحيائي كليبا فهذا ما لا يكون ، وأما جساس فإنه غلام طعن طعنة على عجل ثم ركب فرسه فلا أدري أيّ البلاد احتوى عليه ، وأمّا همام فإنه أبو عشرة وأخو عشرة وعم عشرة ، كلهم فرسان قومهم فلن يسلموه إليّ فادفعه إليكم يقتل بجريرة غيره . واما انا فهل هو إلا أن تجول الخيل جولة غدا فأكون اوّل قتيل فيها ، فما أتعجل من الموت ؟ ولكن لكم عندي خصلتان : أمّا إحداهما فهؤلاء بنيّ الباقون ، فعلقوا في عنق أيهم شئتم نسعة « 1 » فانطلقوا به إلى رحالكم فاذبحوه ذبح الجزور ، وإلا فألف ناقة سوداء المقل أقيم لكم بها كفيلا من بني وائل ! فغضب القوم وقالوا : لقد أسأت ، ترذل « 2 » لنا ولدك وتسومنا اللبن من دم كليب . ووقعت الحرب بينهم . ولحقت جليلة زوجة كليب بأبيها وقومها ، ودعت تغلب النمر بن قاسط « 3 » فانضمت إلى بني كليب وصاروا يدا معهم على بكر ، ولحقت بهم غفيلة بن قاسط ، واعتزلت قبائل بكر بن وائل وكرهوا مجامعة بني شيبان ومساعدتهم على قتال إخوته ، وأعظموا قتل جساس كليبا بناب من الإبل ، فظعنت « 4 » لجيم عنهم ، وكفت يشكر عن نصرتهم ، وانقبض الحارث بن عباد في أهل بيته ، وهو أبو بجير وفارس النعامة . وقال المهلهل يرثي كليبا : بتّ ليلي بالأنعمين طويلا * أرقب النجم ساهرا أن يزولا « 5 »

--> ( 1 ) النسعة : القطعة من النسع ، وهو سير عريض طويل من جلد . ( 2 ) ترذل : أي تعطينا الرذل من ولدك . ( 3 ) النمر بن قاسط : بطن في ربيعة . ( 4 ) ظعنت : رحلت . ( 5 ) الأنعمان : واديان .